عنوان الصوت

الوصف

0:00
/
0:00

ما تعلّمته من العيش ببطء

نسكن الأماكن ونتركها، لكن بعض الأماكن تسكننا ولا ترحل منّا.

العدد 21

ناغانو، اليابان

30 ديسمبر 2025

10 دقائق

صوت الريف

سنين نامان، العدد 21

4:44
/
1:11

ما تعلّمته من العيش ببطء

نسكن الأماكن ونتركها، لكن بعض الأماكن تسكننا ولا ترحل منّا.

صوت الريف

مرحبًا بكم في العدد 21 من سنين نامان!

في هذا الوقت من العام، يكثر الالتفات إلى مراجعة الذات: ما الذي تحقّق، وما الذي بقي معلّقًا، وما الذي يستحق أن يُعاد النظر فيه قبل أن تمضي التفاصيل اليومية وتستعيد إيقاعها المعتاد. نحدد لأنفسنا أهدافًا لتبنّي عادات جديدة؛ كالالتزام بتمارين منتظمة، أو المحافظة على نمط غذائي صحي، أو المداومة على القراءة والتدوين، ثم نكتشف أن الاستمرار هو المعركة الحقيقية. فالإشكال غالبًا لا يكون في وضوح الهدف، بل في الكيفية التي يُصمَّم بها اليوم كاملًا ليخدمه:
أن تصبح العادة سلسة في التطبيق، متصلة ببقية تفاصيل اليوم، وجزءًا من نمط حياة متكامل؛ لا ممارسة معزولة، ولا الاستثناء الوحيد الجيّد في يوم مزدحم.

الأسبوع الماضي بدأنا في نامان بطرح تجارب مختلفة، نختبر فيها طرقًا أبسط لتبنّي هذه العادات، ونعيش نمطًا مغايرًا من الأيام؛ نلاحظ فيه ما يناسبنا وما يحتاج تهذيبًا، ثم نعود بما عِشناه كنمط عيش يمكن أن يستمر معنا خارج التجربة.

ما تعلّمته من العيش ببطء
بقلم مريم الربيعان

كنت في رحلتي السنوية إلى العُلا، أسكن خيمتي وسط مخيّم مجهّز للزوار. اعتدت بهذه الرحلة أن أكون في ما أسمّيه «حمية إلكترونية»؛ أذهب بلا خطة واضحة، أعيش الأيام ببطء واستقبل التجارب الجديدة بصدرٍ رحب. هناك سمعت نداء المعسكر للمرة الأولى، لم يكن واضحًا تمامًا، كان أقرب إلى رغبة خفية أكثر من كونه نداءً صريحًا. خصوصًا بعد أن سمعت قصة الصديق حسين عندما ذهب في رحلة مشابهة إلى أوزباكستان، كان يروي تفاصيل أيامه بحماس، كيف كان يقضي معظم يومه بصمت، وكيف كان يتواصل مع أهل القرية. تفاصيل كثيرة أثارت فضولي، ورغبتُ حينها بخوض تجربة أعمق من رحلتي هذه.

كان الصباح باردًا، والضوء الخافت يتسلّل من بين نوافذ النُزل الخشبية. في ذلك السكون، تسلّل إلى سمعي صوت الأجراس الصغيرة التي يدقّها عبدالرحمن وهو يقترب من جهة النهر.

نُزُل معسكر الريف الياباني – ناغانو، اليابان.

Text Link

لم أفهم في البداية ما الذي تعنيه تلك الأجراس، لكن صوتها المنتظم منح الصباح نظامًا خفيًا؛ كأنه يقول: بدأ اليوم. كنت أستيقظ قبلها على أصوات الأقدام التي تمشي بخفّة على أرضية النُزل الخشبية. رغم حرص المشاركات على الهدوء وقت الصمت الصباحي، لا مفر من الأصوات؛ فالبيت الذي نسكنه يزيد عمره على المائة وخمسين عامًا. يبدأ الروتين الصباحي بطيّ «الفوتون»، المراتب اليابانية الأرضية، ورصّها جميعًا في الخزانة. بعد ثالث يوم أصبحت المهمة سهلة، ولم تعد أحجية كما كانت في البداية حين احتجنا إلى محاولات عديدة وهندسة معقدة لنتمكن من تخزينها جميعًا. بعد الصيانة الشخصية وتبديل الملابس والصلاة، يكون الجميع جاهزًا للمسير الصباحي الصامت.

من مسير الصباح في الريف الياباني.

Text Link

الصمت الصباحي من أكثر نواميس المعسكر قربًا إلى قلبي. من يعرفني جيدًا يدرك أن أول الصباح عندي مقدّس، والصمت فيه فريضة على من حولي. لكن هنا لم يكن صمتًا فحسب، بل كان مسيرًا تأمليًا بطيئًا في الطبيعة مع أوائل خيوط أشعة الشمس المتوارية وراء السحب. كنا نعيش بركة معجزة الصبح، «والصبح إذا تنفّس»، كأنه استنشق عميقًا داخل رئة الغابة؛ أخذ شهيقًا ثم زفيرًا، فانشق النهار وانتشر النور. بداية الصبح تكون السماء بيضاء، والغابة والجبال مغطاة بالضباب، ثم تتلوّن بخيوط وردية وبرتقالية، حتى تزرقّ السماء رويدًا رويدًا كلما انتصف النهار.

يكسر الصمت صوت عبدالرحمن معلنًا بداية اليوم:

«السلام عليكم، معسكر الريف الياباني، اليوم الثالث».

نسير خلف سارة، نسلك كل يوم طريقًا جديدًا نستكشف فيه المنطقة. تارةً نمشي صعودًا نحو البيوت والمزارع الصغيرة، وتارةً قرب النهر، وأخرى في أعماق الغابة حيث نمرّ بنفق مظلم يأخذنا إلى طريق جميل قرب الشلال. يغوص كلٌّ منا في عالمه وتأملاته الفردية. ترى إحدانا تتأمل العناكب وهي تبني بيوتها بين أغصان الأشجار. وتشاركنا لاحقًا حديثها حول النار في نهاية اليوم:

«بعض العناكب اكتفت ببيت بسيط، وأخريات اجتهدن فبنَين قصورًا فيها أدوار وغرف كثيرة. رغم أن البناء هشّ، لكنها تسعى».

تأملت قولها كثيرًا، فالإنسان مثلها تمامًا؛ منا من يستسلم لوضعه، ومنا من يسعى لتغييره.

أما أنا، فتلفتني النباتات والزهور بأشكالها وأسمائها الغريبة. يدهشني كيف تنمو الحشائش الصغيرة والفطر البري والزهور الجبلية والأشجار الضخمة جنبًا إلى جنب، فلا أحد أجمل من الآخر، فالجمال في الطبيعة يكمن في التنوع لا في الشكل الواحد. لكن هناك نبتة أسرتني ما إن عرفت اسمها حتى صارت المفضلة لدي. اسمها باليابانية セイタカアワダチソウ) Seitaka-awadachi-sou)، وترجمتها «النبتة العالية ذات الفقاعات».

وفي أحد الصباحات وجدتها أمامي بأحجام تفوقني طولًا، نبتة عالية الساق، ترتفع للسماء، وفي رأسها أزهار صفراء تشبه الفقاعات، شعرت بجانبها أني صغيرة جدًا.

النبتة العالية ذات الفقاعات.

Text Link

كان التواصل بيننا أكبر من أن يُختزل بلغة منطوقة. كانوا يتحدثون اليابانية، وكنت أتحدث العربية وأحيانًا الفصحى، ومع ذلك كان التفاهم بيننا واضحًا وممتعًا. أكثر اللحظات طرافة كانت مع طباخنا وصاحب النُزل «كيوشي سان». كان يتقن لغة الإيماءات كما يتقن اليابانية نفسها، يشرح بجسده كله، ويحوّل كل حركة إلى معنى. سألته يومًا عن مكوّن موضوع على الطاولة، فرفع يديه فوق رأسه وحرّكهما بحركة مموجة إلى أعلى، ففهمت فورًا أنه يقصد الطحالب! كان مشهدًا مضحكًا. لا يكتفي كيوشي بالإشارات، بل يصف الأفعال بالأصوات أيضًا؛ تراه يشير إلى قدر وهمي ويشعل النار تحته، ثم يقلّد صوت الماء وهو يغلي: «بق بق»، مع تحريك أصابعه كفقاعات صاعدة. تتبدل الأصوات بحسب الفعل: «كشا كشا» للتقليب، و«شكا شكا» و«جك جك» للتقطيع، ولكل حركة إيقاعها الخاص.

السيد كيوشي سان وعائلتة.

Text Link

السيد كيوشي سان وعائلتة.

لم يكن هذا مقتصرًا على كيوشي سان، بل كان سائدًا مع كل من التقينا في القرية، من أطفال وكبار سنّ، وحتى من جاء ليقدّم لنا ورشة. ورغم أن عبدالرحمن كان يقوم بدور الترجمة، إلا أننا كثيرًا ما كنا نفهم المعنى من السياق والإيماءات وحدها.كان التواصل بيننا خفيفًا، بلا حشو ولا شرح طويل، والمشاعر تنتقل ببساطة متجاوزة حاجز اللغة.

ثم حدث ذلك الشعور الذي لا اسم له. شيء بداخلي يعترك، يتحرك ويثور. كل ما حولي ساكن: الجبال، الطبيعة، حتى النهر بحركته الهادئة يبدو ساكنًا. إلا ما بداخلي، فقد كان يغلي. رفعت رأسي أتأمل الجمال أمامي، وفجأة انهمرت الدموع بلا مقدمات. هناك في قرية كامي في الريف الياباني بمحافظة ناغانو، وتحديدًا في العلية المطلة على الجبال بعد المسير الصباحي الصامت، كانت الأفكار والمشاعر واضحة. جلست لأدوّن، بلا هاتف يقطع حبل أفكاري، ولا إشعارات تسرق لحظتي. هناك كان التواصل حقيقيًا وملموسًا، وعندما هدأت كل الأصوات، كان صوت الداخل أوضح.

قرأت يومًا أن أدمغتنا مثل حدائق المنازل: لا يكفي أن نسقيها دوريًا، بل نحتاج بين فينة وأخرى أن نعتني بها بعمق، نقطع الحشائش الضارة، نقلّم النباتات، ونبدّل السماد. هكذا هي أدمغتنا؛ تحتاج ترتيبًا دوريًا للأفكار والمشاعر.

لكن حياتنا الحديثة، الممتلئة بالتنبيهات ومقاطع الفيديو السريعة، لا تشجع على ذلك. هنا في المعسكر نعيش حياة بسيطة ونقوم بالأنشطة الرتيبة بِبطء. نغسل الصحون، نعجن العجين بأيدينا، و نكنس الأرض يدوياً. وهذه الأنشطة المتكررة التي تتطلب مجهود بدني ولو كان بسيطا تساعد على تهدئة أنظمتنا العصبية، وتعيدنا إلى إيقاعنا الطبيعي. أنا لا أقول أن نترك حياتنا المرفهة ونعود إلى حياة «الأوليين»، لكن نحتاج فقط أن نتوقف قليلًا عن الجري، ونتصل بذواتنا.

أوساكا — بين العبور والوقوف.

Text Link

في زحام المدينة وضوضائها، بين المحلات والأضواء والناس الذين يمشون في كل اتجاه، يبدو كل شيء متسارعًا. لا تأنّي هنا ولا تباطؤ، لا صمت ولا تأمل للطبيعة. التشتّت والاندفاع سيّدا المشهد. هل سبق أن شاهدت مقطعًا من فيلم يقف فيه البطل في منتصف الطريق متجمّدًا، فيما يتحرّك كل ما حوله بسرعة هائلة؟ تلك كنت أنا، في وسط مدينة أوساكا، أقاوم شعورًا بالضياع وعدم الانتماء. 

كنت أميل بين «المتخفّفة» التي سكنتها الطمأنينة قبل أيام، و«المستهلكة» التي تشتهي دخول المحلات وشراء ما لا تحتاجه. أطيل الجلوس في المقاهي بعد انتهائي من الطعام، بلا رغبة في الركض وراء السوق. لم تعد هناك تلك الحاجة الملحّة للتسوّق. أتردد كثيرًا، أجد الأعذار، وأسأل نفسي: هل هو شعور بالذنب؟ لا أعلم، لكن أي ذنب يُقترف عند التسوّق؟ لم تعد المتعة في الشراء، بل في التجربة.

كنت قد خصصت هذا اليوم للتسوّق، وتهيّأت له؛ جئت إلى اليابان بحقيبة شبه فارغة بنيّة ملئها كما فعلت في زيارتي السابقة. لكن حين وجدت متجرًا صغيرًا يقدّم تجربة صناعة خاتمك الخاص، سجّلت فورًا. بعد المعسكر، صرت أحرص على خوض التجارب أكثر من اقتناء المقتنيات. لفت نظري أيضًا محلّ كتبٍ مستعملة يبيع دفاتر صغيرة مغلّفة بقماش عتيق. كانت دفاتر أختام توثّق الأماكن التي مرّ بها المسافرون. اشتريت دفترين امتلأت صفحاتهما بأختام جميلة لأماكن مختلفة. استخدمت أحدهما لتدوين رحلتي، وأهديت الآخر.

Text Link

لن أدّعي المثالية بعدم تسوّقي أو ملء حقيبتي. بعد أسبوع من المعسكر عادت شهيّتي للشراء، لكن هذه المرّة بوعيٍ وفلترةٍ ذاتية. لم تعد الرغبة جامحة كما كانت، بل أصبحت أكثر هدوءًا، كأن شيئًا فيّ تغيّر.

Text Link

فائدة نامان

«الحكمة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.»

ولها ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة.
وآفاتها وأضدادها: الجهل، والطيش، والعجلة.
فلا حكمة لجاهل، و لا طائش، و لا عجول.

مدارج السالكين لابن القيم - ٢/٤٤٩

تصفح المزيد من أعداد سنين نامان