الوصف

سنين نامان، العدد 22

سنين نامان، العدد 22
إذا أردنا أن نعيش حياة أطول وأفضل، فالأمر لا يعتمد على إجراء واحد أو قرار قصير المدى، بل على مجموعة من العادات الصغيرة التي تتكرر يوميًا. السؤال هو: كيف نتعلم هذه العادات، وكيف نختبر أثرها بشكل ملموس؟ معسكر الصحة الشمولية هو مساحة مركزة للإجابة على هذا السؤال.
خلال عدة أيام، نجمع بين التعلم النظري والممارسة العملية: كيف نأكل بوعي لنعرف كيف يتفاعل جسدنا مع الطعام ويستعيد طاقته، وكيف ننظّم يومنا ليصبح أكثر انسجامًا مع إيقاعنا الطبيعي، وكيف نتحرك بطريقة تُنعش الجسد وتعيد له توازنه. الهدف ليس أن تكون التجربة مؤقتة، بل أن تخرج منها بخطوات واضحة لبناء نمط حياة يمكن أن يرافقك لسنوات.
كنت أعيش أيامي بانضباطٍ خارجي: نومٌ منتظم، رياضةٌ مستمرة، ومحاولات للالتزام بأكلٍ صحي، لكن خلف هذا النظام الخارجي كان هناك صراع داخلي؛ شيء لا أستطيع تسميته. ثم بدأت الإشارات تظهر، لا كأحداث أو مواقف، بل كلحظات تمرّ عليّ كتنبيه صغير: إحساس سريع في الصدر كأن فكرة تريد أن تتشكل… انتباه مباغت لشيء لا أعرفه… ركود بسيط وسط انشغال اليوم… وصمت داخلي مختلف، لا يبحث عن راحة بقدر ما يبحث عن وضوح. كان يصلني شعور غريب: أنني أمشي خطوات صحيحة… لكنها ليست الوجهة التي أبحث عنها تمامًا. ومع كل مرة يعود فيها هذا الإحساس، كنت أشعر أن جزءًا عميقًا داخلي يحاول أن يصعد للسطح. كأن طبقة رقيقة بيني وبين نفسي بدأت تتشقق… لا لتنهار، بل لتسمح للضوء بالدخول.
وحين تكرر هذا الشعور… فهمت.
لم يكن نداءً يدعوني لمكان جديد، بل نداءً يدعوني لنفسي.
وهنا، للمرة الأولى، شعرت أن شيئًا ما ينتظرني خارج الإيقاع الذي اعتدت عليه.
شيئًا يشبه «البداية» التي لم أعرف أنني أحتاجها.

مسير الشروق.
Text Linkكان الصباح في سردينيا هادئًا بما يكفي لأن يُسمع كل شيء بوضوح.خطواتنا على الأرض، الاحتكاك الخفيف الذي يشبه نبضًا، أنفاسنا المتداخلة، وأصوات الحشرات من حولنا. الهواء كان باردًا بما يكفي لـ يوقظ الحواس، نقيًا يدخل الصدر بسهولة ويترك داخله فراغًا بسيطًا… كأنه يهيئ ترتيبًا جديدًا من الداخل. الضوء كان حاضرًا بهدوء؛ يكشف الطريق بلا مبالغة، ويلمَس النباتات والجبال كجزء طبيعي من المشهد. ورائحة النباتات العطرية كانت تسبقنا بخطوة، تمتزج مع برودة الصباح، وتعطي لكل نسمة لمسة خفيفة من الحياة. لم نتكلم، والصمت لم يكن فراغًا… بل مساحة أعمق، تسمح لي أن أرى الطريق، وأرى نفسي معه.
خلال أيام المعسكر، لم يبقَ في ذاكرتي مشهد واحد، بل بقيت وجوه وتفاصيل صغيرة كان تأثيرها أكبر مما توقعت. كان الفريق المنظّم أول ما لفت نظري؛ طريقة عملهم تحمل درجة من الإحسان يصعب تجاهلها: هدوء، احترام، ترتيبٌ لا يتكلّف، وإخلاصٌ تشعر به حتى قبل أن تفهم تفاصيله. لم يقولوا الكثير، لكن أسلوبهم في العمل كان حديثًا كاملًا…حديثًا عن الإتقان أكثر مما هو عن المهام.

فريق المعسكر على بهو النزل في حديث الإستعداد والتجهيز.
Text Linkأما المشاركون فكان كل واحد منهم مسارًا مختلفًا؛ فكرة، أو تجربة، أو طموح يفتح زاوية جديدة داخل نفسك.أحاديث قصيرة على الطاولة، تعليقات أثناء المشي، أو نقاشات عميقة قبل النوم… لكن أثرها أوسع مما توقعت. كانوا يفتحون زوايا جديدة للحياة، بدون أن يقصدوا ذلك. وأهل سردينيا… في حضورهم بساطة جميلة: ابتسامة بلا سبب، نظرة فيها رضا، ولغة جسد تقول إن الحياة يمكن أن تُعاش بسهولة أكبر مما نعتقد. منهم تعلّمت نوعًا هادئًا من التفاؤل… طبيعيًا، بلا مبالغة، لكنه يحمل قوة لطيفة.

صباح من معسكر الصحة الشمولية.
Text Linkفي اليوم الذي صمتنا فيه كاملاً، شعرت أن شيئًا داخلي تحرّك بطريقة لم أفهمها فورًا.
كان الصمت طويلًا، لكنه ليس ثقيلًا… كان أقرب لفتح باب بهدوء؛ بابًا يكشف ما كان مزدحمًا في داخلي دون أن يطلب تفسيرًا. خفّ الضجيج، تراجعت الأسئلة، وظهرت مساحات كنت أظن أنها تحتاج لتعقيد أكثر. هناك أدركت معنى أن تتوكّل بصدق، وتسعى بثبات، وترضى بما يقسمه الله دون أن تشعر بأنك مقصّر، وعلمت أن النفس تحتاج إلى أن تُهذَّب كلما زاد تعلّقها بالدنيا، لتبقى متزنة، واعية، ومطمئنة.
كان إحساسًا يشبه اتّزان ميزان ظلّ مختلًا لسنوات، ثم استقام بهدوء… بدون ضجة، وبدون إعلان. في ذلك اليوم لم تتغيّر الدنيا، لكن زاويتي تجاهها مالت قليلًا… مالت نحو خفّة لم أعرفها، ونحو يقين أعمق بأن الطريق لا يبدأ بالحركة، بل بالسكينة التي تسبقها. ذلك اليوم… كان اليوم الذي أصبحتُ فيه أقرب لنفسي، وأقرب لله، وأقرب لما أريده دون أن أتمسّك به بقوّة. كان هناك شيء في داخلي أصبح أكثر هدوءًا… وكأن جزءًا مني استيقظ في سردينيا وقرر أن يرافقني دون ضجيج.

بداية مختلفة.
Text Linkوحين عدت إلى حياتي اليومية، لم أشعر أنني عدت كما كنت. كان هناك هدوء جديد بداخلي… وبدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة كنت أمرّ عليها سريعًا:الضوء حين يدخل الغرفة، صوت الأشياء وهي تستقر، والوقت حين يبطؤ إذا توقفت لأراه. كأن العالم لم يتغيّر… لكن نظرتي له أصبحت أبسط، وأعمق في الوقت نفسه.
تراجعت عن أشياء كنت أظنّها ضرورية… ألغيت ضجيج وسائل التواصل، لا هروب، ولا اعتزال كامل،
بل قدر من البعد يكفي لأسمع نفسي أكثر مما أسمع العالم. الأثر الأكبر كان داخلي… تعلّمت أن التوكل ليس كلمة، وأن السعي يجب أن يستمر، وأن الرضا ليس استسلامًا… بل إدراك أن ما يأتي من الله خير، يحتاج أن أستقبله بنيّة صادقة وقلب هادئ. أصبحت أعرف أن ما أريده لا يجب أن أتمسّك به بقوّة، بل أن أترك له مساحة ليأتي إذا كان لي. هكذا فقط شعرت بخفة لم أعرفها من قبل… خفة تشبه وضع حمل قديم كنت أحمله دون أن أنتبه.
هذه العودة لم تكن رجوعًا إلى حياتي…
بل رجوعًا إليّ.
إلى طريقة جديدة في الرؤية، وفي القبول، وفي السير دون استعجال.
إلى يقين بأن الطريق الذي بدأ هناك… لن ينتهي ما دمت أختار أن أسمعه.
وفي عمق الصمت، كنت أهمس في صدري وأكرر أبيات يوسف الكمالي:
«وبنور منك ربي أرني أنظر إليّا»
وحين صفا داخلي، انكشف لي طريق لم أره من قبل.
عدت كما أنا… لكنني لم أعد الشخص نفسه.

جلسة التدوين خلال استراحة المسير.
Text Link
«اترك ماتهوى، لما تأمل»
التعقيب:
يختصر هذا القول واقع النفس البشرية بعمقٍ لافت، إذ يقرر أولًا حقيقة أن الرغبات والهوى جزءٌ أصيل من طبيعة الإنسان، وهي في ذاتها ليست مذمومة، بل قد تكون نعمة وموهبة إذا أُحسن توجيهها. غير أن النص يسلّط الضوء على الجانب الأصعب من التجربة الإنسانية: صراع الإنسان مع رغباته وعاداته التي يدرك ضررها، فيتمنى تركها أو التخفيف منها طلبًا للأفضل، سواء لأسباب صحية أو نفسية أو أخلاقية. لكن هذا التمنّي لا يعني سهولة الفعل.
ومن هنا يبسّط النص الفكرة ويكشف جوهرها، فالدافع الحقيقي لترك الهوى لا يكون بالرغبة في الترك وحدها، بل باستحضار السبب والمعنى الذي يدعو إلى هذا الترك. وكأن المعنى يقول: [ لا يكفي أن ترغب في التوقف، بل تذكّر ما تهوى ولماذا تريد تركه، حتى يتوازن الهوى مع التأمل، ويغلب العقلُ النزعةَ العابرة.]
