عنوان الصوت

الوصف

0:00
/
0:00

الرسائل النَامانية في الديار العُمانية

في الأربعين، حين تتكاثر الاحتمالات وتضيع الوجهة، تبدأ رحلة الصداقة مع النفس.

العدد 26

مسفاة العبريين، سلطنة عُمان

2 أبريل 2026

7 دقائق

صوت المسفاة

سنين نامان، العدد 26

4:44
/
1:11

الرسائل النَامانية في الديار العُمانية

صوت المسفاة

في منتصف الأربعين وبعد تحقيق الكثير من أهداف الحياة وجدتني عكس ما أتصور، غير راضٍ وممتلئ بالأسئلة دون اتجاه واضح مع احتمالات كثيرة، وكنت أظن أن حالتي غريبه وبدعة منكرة، حتى وجدت الكثير مثلي على طريق اكتشاف الذات. وجدت أن غرابتي ليست فريدة كما كنت أظنّ وأن لكلّ واحد منّا قبيلة تعيد له ألفة الطفولة المنطلقة، قبل أن نرى أنفسنا بعيون المجتمع. اتجهت للسفر ومغامرات الطبيعة والتعرض لثقافات مختلفة، تحفيزا للتغيير الذي أنشده، وفي طريق فرعي غير متوقع قابلت النامان وألفيت في أسلوب حياته إسهابا في قضايا تهمني من التخفف وتهذيب النفس والإبداع، فاتخذته صديقا ومرشدا. شدتني تجارب المعسكرات الخاصة تحديدا، وفي نهاية العام الماضي تركت العمل فسعيت له طالبا الإرشاد، فأشار أن يمّم وجهك نحو قرية المسفاة الجبلية في عمان، ووضع لي برنامجا يشتمل على الحركة والغذاء والتأمّل مع بعض العمل على مشاريع الشغف. وسعيا لضبط إيقاع التجربة وتذكير النفس بأهدافها وتعظيم الفائدة، قرّرت الكتابة اليومية توثيقا للأحداث ومشاعري خلالها والتفكّر بما حصل في يومي استعدادا لما يليه. ولإعجابي بأدب الرسائل قرّرت أن أصيغ تلك الكتابات على شكل رسائل يومية موجهة لصديقي النامان، فاجتمع عندي مجموعة رسائل لأيام المعسكر إضافة لما قبل الرحيل و بعده. والآن أسعى لمشاركتكم تلك الأفكار عبر ثلاثة تدوينات تجمع شتات تلك الأفكار في ثلاث رسائل.

الرسالة الأولى: ما قبل الرحيل
خليفة الفضلي

النية

إلى نامان الحكيم سلام من الرحمن على الأصدقاء الأوفياء، خير زاد وكنز عظيم خلت منه خزائن الأغنياء. أبعث لك خواطري تترى دون تنسيق أو تزويق، مسترشدا حين ضياع، فكن لي شمس تبريز أكن لك روميا أما بعد، فقد تجاوز عمري انتصاف الحياة، وكنت آمل في مقتبلها أن يتّضح الطريق وتهدأ النفس في الأربعين التي أشعلت الرأس تساؤلا، فلا علمٌ يفيد ولا خبرة، سوى التعلق بأهداب المحبّة والخالص من الأحبّة. يبدو لي أنه لطالما كان مسار حياتي الماضية مرسوما بمعالم واضحة من دراسة ومهنة بخطوات وتوقعات واضحة، فما أن حققت جلّها وزهدت بالباقي حتى غلبتني الحيرة بما أصنع بحريّة أن أكون أي شيء أريد، فتحقق عندي مراد العظيم فروم من تأليف كتابه المعنون بالهروب من الحرية أخي المحب. أنا اليوم خليّ من ارتباط العمل والعلاقات التي تقيّد جلّ الناس وتشدّ أوتادهم للأرض، أنعم بصحة جيدة آمل رعايتها ذخرا لشيبتي والتمتّع بباقي الأيام. تنزعُ نفسي للتخفف من الأشياء والأفكار، طمعا في التركيز على كلّ ما يحمل معنى عميقا ويشبهني من علاقات وأفكار وإنتاج، وأعاني من تشتت عقلي وجهدي بين مسارات متعددة من الإبداع مثل التصوير والكتابة وصنع الأشياء اليدوية. عقلي كهدهد كثير التنقل يشده أخفّ الأصوات وأتفهها عمّا كان يصنع، ما خلق غرابة كنت أحبها واليوم أجدها متعبة. عندي ما يكفي من القوت لعام أو يزيد، آمل أن أكرسه لتجربة أسلوب حياة مختلف، من بين عدّة مسارات استكشفتها سابقا قبل عام مضى وتجربة خلت تشابه بدرجة أخفّ ما أنا بصدده اليوم. أودّ مراجعة المهم في حياتي وما سأخسره لو اكتفيت به، فقد تخليت منذ زمن عن فكرة أن أعطى أفضل مالدي، كونه يستهلكني فلا يبقى شيء، ولا شيء يستحق الفناء فيه سوى الحب.

أَعلَمُ أن الهوية قرار، فلا تُستجدي من الآخرين، إلا أنها تنبع من التجارب التي تكشف طياتها الخفية عن الذات، والآخرون أحيانا مرآة تكشف لنا أفضل وأسوأ وأعجب ما جهلناه عن أنفسنا وما يمكن أن نكونه. وقد آمنت منذ وقت أنه لا بد من البروز للحياة حتّى تحسّ بنسائم العيش وتحدث لك عجائبها، وأنا مدين لتلك الأحداث والأشخاص الفُرداء الذين لم أكن لأقابلهم لو سكنت للمعتاد المألوف ونفور النفس من المجهول. أعلم أن شخصيتي تغيرت مع السنين وأكاد أجزم أن من عرفني قبل عشر سنين كان ليُنكِرني اليوم بعد الغياب. و أنا بعد لازلت أُصنَع بالتجارب والأشخاص والتأمّل، إلاّ أني اليوم أقلّ مقاومة وأكثر استسلاما لنواميس الحياة.

Text Link

الطريق

شكرا لرفقتك القيّمة في رحلتي، وإن لم تحضر جسدا وصوتا فقد شكّلت جهودك وآرائك ملامح الطريق، ويكفيني مرشدا استحضار معيّتك نهاية كل يوم في الرحلة لأدخل حوارا معك وفق سنّة الهانسيكاي التي أخذتها عنك، مراجعةً وتحسيناً لنهج الرحلة وتفكراً بمآلاتها. أحتسي قهوتي في المطار لا كما كنت أفعل سابقا سائحا أو ساعيا لعمل، وإنما هي وجهة مختلفة لا تحتاج طائرة أو قطارا، رحلة في النفس وحوارا معها وتفكّراً في الحياة والمعنى الذي أصنعه منها. أرجوا أن يكون الإنقطاع عن المألوف من الأقوال والأفعال والعلاقات مُعينا على هذا التفكّر وإبطاءً لعجلة دوران الحياة اليومية، التي لا تتيح لنا كثيرا من الوقت أو عمقا في التفكّر لمراجعة الوجهة وخيارات عيش الحياة القصيرة ومعنى الأشياء التي نفعلها وأهميتها. أعترف أن هذه الصحوة والقرار بالانعزال لما يزيد عن أسبوع للتأمل في هذه القضايا لم يكن نتيجة جرأة ووعي وقدرة على تحدي تيار الحياة ومشاغلها، بقدر ما كانت ظروفا مواتية ونافذة فُتحت، على الرغم مني. أسعى في الأيام القليلة القادمة أن تهدأ روحي، أن تتضح رؤية ما أريد أن أصنع في عدّة مشاريع تجريبية قررتها أو حتى التراجع عن بعضها، وأن أتلمس أسلوبا للحياة يشبه ذاتي الحالية. أشعر بضبابية من صحى توا ولم يدرك الحد بين الحلم والواقع، أين هو؟ وما الوقت؟ وعضلة التفكير لم تعمل بعد. خرج النداء يدعوني لبوابة السفر، لأتركك الآن وأعود لك مخاطبا في مساء هادئ لقرية عمانية تغفو بين أكناف الجبال.

بداية الطريق نحو معسكر المسفاة.

Text Link

تصفح المزيد من أعداد سنين نامان